عيد الأضحى: حيرة المواطن بين الفلاح و الوسيط

كتب : عادل قاهري
اقتراب عيد الأضحى من كل سنة، يعود الجدل نفسه في تونس حول أسعار الأضاحي، لكن هذه السنة يبدو المشهد أكثر تعقيدًا، بين فلاح يشتكي من ارتفاع كلفة التربية والأعلاف، ووسيط أو “قشّار” يتحكم في جزء كبير من السوق، ومواطن يقف حائرًا أمام أسعار تتجاوز أحيانًا قدرته الشرائية بأشواط.
فالأسعار المعروضة في الأسواق تختلف بشكل كبير، إذ يمكن أن يجد المواطن “علوشة” في حدود 800 دينار، مقابل أضاحٍ أخرى تصل إلى 2500 دينار أو أكثر، وسط غياب مقاييس واضحة وموحدة للبيع والشراء، سواء من حيث الوزن أو السن أو الجودة أو هامش الربح المقبول.
الفلاح من جهته يؤكد أن ارتفاع الأسعار ليس خيارًا، بل نتيجة مباشرة لغلاء الأعلاف والنقل والتداوي وتكاليف التربية، معتبرًا أن هامش ربحه أصبح محدودًا مقارنة بحجم المصاريف والمخاطر. وفي المقابل، يرى كثير من المواطنين أن الأسعار ترتفع بشكل مبالغ فيه عند وصول الأضاحي إلى الأسواق الأسبوعية ونقاط البيع، حيث يتدخل الوسطاء والسماسرة في تحديد الأسعار وفق منطق العرض والطلب أكثر من أي معيار اقتصادي واضح.
وتبرز هنا أزمة القدرة الشرائية بشكل حاد، خاصة إذا ما تمت مقارنة أسعار الأضاحي بمستوى الأجور في تونس. فالأجر الأدنى في بعض قطاعات الحضائر والقطاع الخاص يدور حول 525 دينارًا، في حين تتراوح أجور عدد من المعلمين والأساتذة في حدود 1400 دينار، بينما تصل أجور بعض قطاعات إلى حوالي 2200 دينار. وأمام أضحية قد يتجاوز سعرها راتب شهر كامل، يجد المواطن نفسه بين واجب ديني ورغبة اجتماعية من جهة، وإمكانيات مالية محدودة من جهة أخرى.
كما يشتكي المستهلك من غياب رقابة فعلية ومقاييس دقيقة تحدد الأسعار وفق الوزن الحقيقي وجودة الأضحية، بما يضمن الشفافية ويحمي الجميع؛ الفلاح من الخسارة، والمواطن من الاستغلال. فالسوق اليوم تبدو مفتوحة على التقديرات الشخصية والمضاربة، وهو ما يخلق تفاوتًا كبيرًا في الأسعار حتى داخل السوق نفسها.
ويبقى السؤال المطروح كل سنة: هل تتحول الأضحية تدريجيًا من شعيرة دينية واجتماعية جامعة إلى عبء اقتصادي ثقيل على آلاف العائلات التونسية؟ وهل تنجح الدولة مستقبلًا في تنظيم القطاع ووضع آليات أكثر عدلًا ووضوحًا توازن بين حق الفلاح وقدرة المواطن؟



