أخبارأخبار وطنيةثقافة

بعد هجرة أطفال التحضيري إلى المدارس… شبح الإفلاس يُخيّم على رياض الأطفال في تونس

كتب حيدر قاسمي

من المسؤول عن إعدام قطاع بأكمله؟

لم تكن رياض الأطفال يوما مجرد مشروع تجاري، بل كانت الحاضنة الأولى للطفل، والمدرسة الأولى للأم العاملة، والمتنفس الوحيد لآلاف المربيات. اليوم، هذا القطاع يحتضر في صمت، وأبوابه تُغلق واحدة تلو الأخرى، دون أن يلتفت إليه أحد.

الضربة القاضية: قرار وزارة التربية

لسنوات، كان القسم التحضيري (5-6 سنوات) هو العمود الفقري لتوازن رياض الأطفال ماليا. الطفل التحضيري يدفع معلوما قارا وكاملا على مدار السنة، وهو ما يسمح للروضة بتغطية مصاريف الكراء والأعوان في الأشهر الصعبة.

بقرار أحادي، فتحت وزارة التربية أبواب المدارس الابتدائية العمومية والخاصة لاحتضان أقسام التحضيري مجانا أو بمعاليم رمزية، تحت شعار “تعميم التحضيري”.

القرار في ظاهره تربوي نبيل، لكنه في باطنه إعدام جماعي لقطاع كامل. الدولة فتحت سوقا جديدة للمدارس الخاصة وعممت المجانية في العام، دون أن تضع خطة انتقالية لرياض الأطفال التي بنت مشروعها واقترضت وجهزت فضاءاتها على أساس هذا القسم.

وزارة المرأة: شروط تعجيزية بدل الدعم

في المقابل، لم تكن وزارة المرأة والأسرة والطفولة وكبار السن رحيمة بمنظوريها. فبدل أن تدافع عن القطاع، زادت من الضغط عليه:

  1. كراس شروط مجحف: مساحات كبيرة مطلوبة، تجهيزات بمواصفات عالية لا تراعي أن أغلب الرياض في أحياء شعبية وبيوت مستأجرة.
  2. زيارات تفقد فجئية وعقلية ردعية: بدل التأطير والمرافقة، أصبحت الزيارة مصدر رعب لصاحبة الروضة التي تجد نفسها مهددة بالغلق من أجل بلاطة ناقصة أو باب لا يفتح للخارج.
  3. غياب تام للدعم: لا منحة استمرارية، لا إعفاء جبائي، لا برامج تكوين مجانية للمربيات.

المفارقة أن الوزارة تطلب جودة عالية جدا، لكنها تترك صاحبة الروضة تواجه السوق وحدها أمام منافس قوي اسمه “المدرسة” تفتح له الدولة كل الأبواب.

ثلاثية الموت: كراء، ضرائب، وتشغيل هش

حتى من صمد بعد هجرة التحضيري، وجد نفسه أمام مثلث الموت:

  • غلاء المعاليم وكراء المحلات: روضة في حي شعبي تدفع 600 و800 دينار كراء، مع فاتورة ماء وكهرباء وغاز.
  • كثرة الأداءات: CNSS، قباضة، بلدية، رخص… صاحبة روضة فيها 6 أطفال مطالبة بنفس أداءات مؤسسة فيها 100 طفل.
  • قانون مقاومة التشغيل الهش: وهو قانون منصف في جوهره وندافع عنه، لكن تطبيقه الآلي على رياض أطفال مداخيلها 600 دينار في الشهر، يعني الحكم عليها بالإعدام. كيف لروضة فيها 6 أطفال أن تنتدب مربية بعقد كامل وخلاص كامل مع CNSS بـ 800 دينار؟ النتيجة: إما الغلق، أو العمل في الخفاء، أو الطرد.

والنتيجة الحتمية: عديد أغلقت أبوابها في 2024-2025 ، وآلاف المربيات انضممن إلى جيش العاطلين عن العمل، وعادت آلاف الأمهات إلى البيوت لأنه لم يعد هناك من يحتضن أطفالهن بثمن معقول.

من يدفع الثمن؟

ليست صاحبة الروضة فقط. من يدفع الثمن هو:

  • الطفل الذي سيتكدس في قسم تحضيري فيه 35 تلميذا في مدرسة لا تملك فضاء لعب آمن.
  • المربية التي أفنت 10 سنوات في القطاع ووجدت نفسها بلا مورد رزق.
  • الأم العاملة في المعمل أو الحقل التي كانت تترك ابنها ذا 3 سنوات في روضة قريبة بثمن مناسب، واليوم لا تجد حلا.

ما المطلوب اليوم؟

إنقاذ القطاع لا يحتاج لمعجزة، بل لقرارات شجاعة:

  1. توزيع عادل للأدوار: يبقى التحضيري من 5-6 سنوات من مشمولات وزارة التربية، لكن من 3-4 سنوات يبقى حصريا لرياض الأطفال مع دعم الدولة للأولياء (قسيمة حضانة).
  2. إعفاء جبائي لمدة 3 سنوات لرياض الأطفال التي تشتغل في الأحياء الشعبية والمناطق الداخلية.
  3. مراجعة كراس الشروط ليصبح تأطيريا لا عقابيا، مع فترة إمهال للامتثال.
  4. عقد عمل خاص بقطاع الطفولة المبكرة يراعي موسمية العمل وعدد الأطفال، بدل تطبيق قانون عام على وضعية خاصة.

رياض الأطفال ليست “محاضن”، هي مؤسسات تربوية. وقتلها اليوم هو قتل للطفولة المبكرة غدا.

نداء إلى وزارتي المرأة والتربية: اجلسوا على نفس الطاولة. لا يمكن أن تبني وزارة ما تهدمه وزارة أخرى، والضحية في الوسط هي المرأة باعثة المشروع، والمرأة العاملة، والطفل.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى